بقية أخباره

+ كان يمنع تلاميذه من ان تكون لهم قنية البتة. وكان بالقرب منه راهب يسكن. أراد القديس أن يجربه فدخل إلي مزرعته الصغيرة وصار يقلع منها النبات من الأصول، حتي بقي نبات واحد حينئذ قال الراهب ببساطة: يا أبانا ان شئت أن تتركه فنحصل منه علي تقاوي. عند ذلك علم الشيخ القديس أن هذا الراهب خالص عند الله وليس عنده وليس عنده الزراعة قنية. فقال: يا ولدى لقد استراح روح الله عليك. ثم قال لتلاميذه: لو كان مشفقاً علي النبات لظهر تأسفه وقلقه عند اقتلاعها وتلفها ولكنها عنده كلا شئ وهكذا يعرف الشياطين كيف يحاربون من لهم حب القنية.

+ كان سائراً مرة في البرية الداخلية فوجد جمجة انسان ملقاة فوقف عندها، ثم حركها بعصاه وبدأ يبكي ورفع عينيه إلي السماء في تضرع بلجاجة شديدة طالباً من السيد المسيح أن يعلمه بقصة صاحب هذه الجمجمة.

ثم حركها ثانية وخاطبها: أسالك باسم المسيح ان تتكلمي. فخرج صوت من الجمجمة قائلاً: ماذا تريد مني يا مقاريوس البار؟! فقال لها: أريد أن أعرف تاريخ صاحبك. فقالت له الجمجمة: أعلمك بأني كنت رأساً لملك هذه الأماكن؟!. . وكانت هنا بلاد ومدن كثيرة. فتعجب القديس وسألها: ماذا كان اعتقادكم؟. . فقالت: كنا نعبد الأصنام وندعوها آلهة ونعمل لها أعياداً وحفلات لا يقدر أحد أن يصنع مثلها وكانت المملكة عظيمة جداً وها أنا اليوم كما تري يا أبانا القديس.

ولما سمع ذلك أنبا مقاريوس بكي بكاء عظيماً. ثم سأل: وما هي حالكم اليوم؟. . فقالت: نحن في عذاب شديد لأننا لم نعرف الله ولكنه عذاب أخف وطأة من الذين عرفوا الله وآمنوا به ثم جحدوه. فتألم القديس كثراً ثم تركها ومضي عائداً إلي قلايته.

+ قال أبا مقاريوس: إن كنا نتذكر شرور الناس فاننا نضر ذاكرتنا. أما إن تذكرنا كيف ان الشيطان يتصرف بطريقة شريرة فاننا نبقي بلا ضرر.

+ في احدي المرات بينما كان الأنبا مقاريوس عابراً علي مصر مع بعض الأخوة، سمع طفلاً يقول لأمه: "يا أمي إن غنيا يحبني ولكني لا أبادله الحب، وفقيراً يكرهني وأنا أحبه". فلما سمع الأنبا مقاريوس هذا تعجب. فقال له الأخوة: "ما معني هذه الكلمات ياأبانا؟" فقال لهم الشيخ: "حقاً إن الرب هو الغني، وهو يحبنا، ونحن لا نريد أن نسمع له. أما عدونا الشيطان فهو فقير ويكرهنا ونحن نحب أموره الضارة".

+ كان هناك راهب يدعي بولس وكان تدبير حياته هكذا:

لم يكن يقترب إلي العمل الشاق الذي لشغل اليدين، ولا إلي أمور البيع والشراء ألا بما يكفي لكمية الغذاء الضئيلة التي يتناولها في اليوم. ولكنه برع في عمل واحد، وهو أنه كان يصلي باستمرار دون توقف. وكان قد وضع لنفسه قانوناً أن يصلي ثلاثمائة صلاة يومياً. ووضع في حضنه كمية من الرمل - لعله يقصد من الحصي، ومع كل صلاة يصليها كان يضع حبة منها في يديه.

هذا الراهب سأل القديس مقاريوس قائلاً: "يا أبي، إني مغموم جدا". فسأله الشيخ أن يخبره عن سبب ضيقته. فأجابه قائلاً: "لقد سمعت عن عذراء قضت في الحياة النسكية ثلاثين سنة، وقد أخبرنا (الأب أور) (أي الكبير) بخصوصها أنها تتقدم أسبوعياً، وأنها تتلو خمسمائة صلاة في اليوم . فلما سمعت هذا احتقرت نفسي جداً، لأني لا أستطيع أن أتلو أكثر من ثلاثمائة صلاة".

حينئذ أجابه القديس مقاريوس وقال:

"انني عشت في الحياة النسكية ستين سنة. وأتلو في اليوم خمسين صلاة. وأعمل بما فيه الكفاية لتزويد نفسي بالطعام. وأستقبل الإخوة الذين يأتون إلي، وأقول لهم ما يناسب. . وعقلي لا يلومني علي أنني مقصر من جهة الله. فهل أنت الذي تصلي ثلاثمائة صلاة تدان من أفكارك؟! ربما لا تقدم هذه الصلوات بنقاوة أو أنك قادر علي أن تعمل أكثر من هذا، ولا تعمل".

 

9 – جهاده ضد الشياطين:

(أ) نومه في مقبرة متوسداً جمجمة:

صعد الأب مقاريوس مرة من الاسقيط إلي البرية فأتي إلي ناووس (جبانة) حيث كانت هناك جثث يونانية قديمة. فأخذ القديس جمجمة ووضعها تحت رأسه. فلما رأي الشياطين جسارته حسدوه وأرادوا أن يزعجوه فنادوا بصوت عال باسم مستعار لامرأة قائلين: يا فلانة قد أخذنا الصابون والأشنان وأدوات الحمام وها نحن في انتظارك لتكوني معنا. فخرج صوت من الجمجمة التي تحت رأسه قائلاً: أن عندي ضيفاً وهو رجل غريب متوسد عليَّ فلا يمكني المجئ. امضوا أنتم. أما القديس فانه لم ينزعج ولكنه رفع رأسه عنها وحركها بيده قائلاً: "ها أنذا قد قمت عنك فان استطعت الذهاب فانطلقي معهم إلي الظلمة". ثم عاد ووضع رأسه عليها، فلما رأي الشياطين ذلك منه تركوه بخزي عظيم وصرخوا قائلين: امض عنا يا مقاريوس وهربوا.

 

(ب)كشفه أسلحة الشيطان المحتال:

جاء عن القديس مقاريوس أنه كان في وقت ما سائراً في أقصي البرية. فأبصر شخصاً هرما حاملاً حملاً ثقيلاً يحيط بسائر جسمه، وكان ذلك الحمل عبارة عن أوعية كثيرة في كل منها ريشة، وكان لابساً إياها بدلاً من الثياب، فوقف مقابله وجهاً لوجه يتأمله، وكان يتظاهر بالخجل تظاهر اللصوص المحتالين. فقال للبار: ماذا تعمل في هذه البرية تائهاً وهائماً علي وجهك فأجابه الأب قائلاً: أنا تائه طالب رحمة السيد المسيح. ولكني أسألك أيها الشيخ باسم الرب أن تعرفني من أنت؟.. لأني أري منظرك غريباً عن أهل هذا العالم، كما تعرفني أيضا ما هي هذه الأوعية المحيطة بك، وما هو هذا الريش أيضاً؟. .

وقد كان الثوب الذي عليه مثقباً كله. وفي كل ثقب قارورة ـ فأقر العدو بغير اختياره وقال: يا مقاريوس، أنا هو الذي يقولون عنه شيطان محتال. أما هذه الأوعية فبواسطتها أجذب الناس إلي الخطية، وأقدم لكل عضو من أعضائهم ما يوافقه من أنواع الخديعة، وبريش الشهوات أكحل من يطيعني ويتبعني، أسر بسقوط الذين أغلبهم، فإذا أردت أن أضل من يقرأ نواميس الله وشرائعه، فما علي إلا أن أدهنه من الوعاء الذي علي رأسي، ومن أراد أن يسهر في الصلوات والتسابيح فاني آخذ من الوعاء الذي علي حاجبي وألطخ عينيه بالريشة وأجلب عليه نعاساً كثيراً وأجذبه إلي النوم. والأوعية الموجودة علي مسامعي معدة لعصيان الأوامر وبها أجعل من يسمع إلي لا يذعن لم يرشده. والتي عند أنفي بها أجتذب الشاب إلي اللذة. أما الأوعية الموضوعة عند فمي فبواسطتها أجتذب النساك إلي الأطعمة، وبها أجذب الرهبان إلي الوقيعة والكلام القبيح، وبذور أعمالى كلها أوزعها على من كان راغباً، ليعطى أثماراً لائقة بى. فأبذر بذور الكبرياء. أما من كان علي ذاته متكلا فاني أجعله يتعالي بالأسلحة التي في عنقي. والتي عند صدري فهي مخازن أفكاري ومنها أسقي القلوب مما يؤدي إلي سكر الفكر وأشتت وأبعد الأفكار الصالحة من أذهان أولئك الذين يريدون أن يذكروا مستقبل حياتهم الأبدية. أما الأوعية الموجودة عند جوفي فهي مملوءة من عدم الحس وبها أجعل الجهال لا يحسون وأحسن لهم المعيشة علي مذبح الوحوش والبهائم.. أما التي تحت بطني فمن شأنها أن تسوق إلي فعل سائر أنواع وضروب الزنى والعشق واللذات القبيحة. والتى على يدى فهى معدة لضرب الجسد والقتل. والمعلقة وراء ظهرى ومنكبى فهى مملوءة من أنواع المحن المختصة بي وبها أقارع الذين يرومون محاربتي فأنصب خلفهم فخاخاً. وأذل من كان علي قوته متكلاً، والتي علي قدمي فهي مملوءة عثرات أعرقل بها طرق المستقيمين. ومن شأني أن أخلط في بذر فلاحتي صنوفاً من الحسك والشوك. والذين يحصدون منها يساقون إلي أن ينكروا طريق الحق.

وبعد أن قال هذا صار دخاناً واختفي. وأن القديس القي بنفسه علي الأرض وأبتهل إلي الله بدموع لكي يحارب بقوته عن الضعفاء سكان البرية ويحفظهم.

 

(ج) الشياطين تحاول أن تقتله:

قيل أن الأب مقاريوس مضي مرة إلي البهلس ليقطع خوصاً. فأتاه الشيطان وأخذ منه المنجل وهم أن يضربه به. أما هو فلم يفزع بل قال له: أن كان السيد المسيح قد أعطاك سلطاناً علي فها أنا مستعد لأن تقتلني، فانهزم الشيطان وانصرف عنه هارباً.

شجاعته أمام الشيطان:

ويروي بلاديوس حادثة أخري مشابهة يقول فيها:

وبينما كان أبا مقاريوس ذاهباً من الحصاد إلي قلايته في احدي المرات، وكان حاملاً بعض الخوص لاقاه ابليس ممسكاً بيده منجلاً في الطريق. ولما هم بأن يجرح مقاريوس عاد ابليس فخاف وسقط وقدم خضوعاً للرجل الطوباوي. حينئذ هرب الشيخ من ذاك المكان، وأخبر الأخوة بما جري. فعندما سمعوا مجدوا الله.

حسد الشياطين للرهبان:

أتي للقديس مقاريوس يوماً أحد كهنة الأصنام ساجداً له قائلاً: من أجل محبة المسيح عمدني ورهبني. فتعجب الأب من ذلك وقال له أخبرني كيف جئت إلي المسيح بدون وعظ. فقال له:

"كان لنا عيد عظيم. وقد قمنا بكل ما يلزمنا. وما زلنا نصلي إلي منتصف الليل حتي نام الناس. وفجأة رأيت داخل أحد هياكل الأصنام ملكاً عظيماً جالساً وعلي رأسه تاج جليل وحوله أعوانه الكثيرون فأقبل اليه واحد من غلمانه فقال له الملك: من أين جئت؟. . فأجاب: من المدينة الفلانية، قال: وأي شئ عملت؟. . قال: ألقيت في قلب امرأة كلمة صغيرة تكلمت بها إلي امرأة أخري لم تستطع احتمالها فأدي ذلك إلي قيام مشاجرة كبيرة بين الرجال تسبب عنها قتل كثيرين في يوم واحد.

فقال الملك: ابعدوه عني لأنه لم يعمل شيئاً. فقدموا له واحداً آخر فقال له: من أين أقبلت؟. . قال: من بلاد الهند. قال: وماذا عملت؟. . أجاب وقال: دخلت داراً فوجدت ناراً قد وقعت من يد صبي فأحرقت النار الدار فوضعت في قلب شخص أن يتهم شخصاً آخر وشهد عليه كثيرون زوراً بأنه هو الذي أحرقها. قال في أي وقت فعلت ذلك؟. . قال: في منتصف الليل. فقال الملك: أبعدوه عني خارجاً. ثم قدموا اليه ثالثاً. فقال: من أين جئت؟. . أجاب وقال: كنت في البحر وأقمت حرباً بين بعض الناس فغرقت سفن وتطورت إلي حرب عظيمة ثم جئت لأخبرك فقال الملك: أبعدوه عني. وقدموا له رابعاً وخامساً وهكذا أمر بإبعادهم جميعاً بعد أن وصف كل منهم أنواع الشرور التي قام بها حتي آخر لحظة. إلي أن أقبل اليه أخيراً واحد منهم فقال له: من أين جئت؟. . قال: من الاسقيط. قال له: وماذا كنت تعمل هناك؟. . قال: لقد كنت أقاتل راهباً واحداً ولي اليوم أربعون سنة وقد صرعته في هذه اللحظة وأسقطته في الزنا وجئت لأخبرك. فلما سمع الملك ذلك قام منتصباً وقبله ونزع التاج من علي رأسه وألبسه إياه وأجلسه مكانه ووقف بين يديه وقال:

"حقاً لقد قمت بعمل عظيم". فلما رأيت أنا كل ذلك، وقد كنت مختبئاً في الهيكل، قلت في نفسي: ما دام الأمر كذلك فلا يوجد أعظم من الرهبنة، وللوقت خرجت وجئت بين يديك".

فلما سمع الأب منه هذا الكلام عمده ورهبنه وكان في كل حين يقص علي الأخوة أمر هذا الرجل الذي أصبح بعد راهباً جليلاً.

 

ولكنه عاني أيضاً من تجارب داخلية مثلما يلي:

+ طلب أبونا القديس أن يعرفه الرب من يضاهيه في سيرته، فجاءه صوت من السماء قائلاً: "تضاهي امرأتين هما في المدينة الفلانية" . فلما سمع هذا تناول عصاه الجريد ومضي إلي المدينة. فلما تقصي عنهما وصادف منزلهما، قرع الباب فخرجت واحدة وفتحت له الباب. فلما نظرت الشيخ ألقت ذاتها علي الأرض ساجدة له دون أن تعلم من هو – إذ أن المرأتين كانتا تريان زوجيهما يحبان الغرباء – ولما عرفت الأخرى، وضعت ابنها علي الأرض وجاءت وسجدت له، وقدمت له ماء ليغسل رجليه كما قدمت له مائدة ليأكل.

فأجاب القديس قالاً لهما: "ما أدعكما تغسلان لي رجلي بماء، ولا آكل لكما خبزاً، ألا بعد أن تكشفا لي تدبيركما مع الله كيف هو، لأني مرسل من الله إليكما". فقالتا له: "من أنت يا أبانا؟" فقال لهما: "أنا مقارة الساكن في برية الاسقيط" فلما سمعتا ارتعدتا وسقطتا علي وجهيهما أمامه باكيتين. فأنهضهما، فقالتا له: "أي عمل تطلب منا نحن الخاطئتين أيها القديس؟!"

فقال لهما: " من أجل الله تعبت وجئت اليكما، فلا تكتما عن منفعة نفسي". فأجابتا قائلتين: "نحن في الجنس غريبتان أحدانا عن الأخرى ، ولكننا تزوجنا أخوين حسب الجسد وقد طلبنا منهما أن نمضي ونسكن في بيت الراهبات ونخدم الله بالصوم والصلاة، فلم يسمحا لنا بهذا الأمر. فجعلنا لأنفسنا حدا أن تسلك أحدانا مع الأخرى بكمال المحبة الإلهية.

وها نحن حافظتان نفسينا بصوم دائم إلي المساء وصلاة لا تنقطع. وقد ولدت كل واحدة منا ولداً. فمتي نظرت أحدانا ابن أختها يبكي، تأخذه وترضعه كأنه ابنها. هكذا تعمل كلتانا. ورجلانا راعيا ماعز وغنم، يأتيان من المساء إلي المساء إلينا كل يوم فنقبلهما مثل يعقوب ويوحنا بني زبدي، كأخوين قديسين. ونحن مسكينتان بائستان، وهما دائبان علي الصدقة الدائمة ورحمة الغرباء. ولم نسمح لأنفسنا أن تخرج من فم الواحدة منا كلمة عالمية البتة، بل خطابنا وفعلنا مثل قاطني جبال البرية".

فلما سمع هذا منهما، خرج من عندهما، وهو يقرع صدره ويلطم وجهه، قائلاً: "ويلي ويلي، ولا مثل هاتين العالميتين لي محبة لقريبي" وانتفع منهما كثيراً.

 

القديس مقاريوس صانع المعجزات

إنطاق الزوج صاحب الوديعة:

مرة نزل الأب مقاريوس الاسقيطي إلي الحصاد وبصحبته سبعة أخوة وكانت امرأة تلتقط خلف الحصادين وهي لا تكف عن البكاء فاستفهم الأب من رئيس الحصادين عن أمر هذه العجوز وعن سبب بكائها دائماً.. فأجابه: أن رجلها عنده وديعة لإنسان مقتدر. وقد مات فجأة ولا تعلم هذه المرأة موضع هذه الوديعة فلما استراح الحصادون من الحر دعا الشيخ المرأة وقال لها: هلمي أريني قبر زوجك. فلما وصل اليه صلي مع الأخوة. ثم نادي الميت قائلاً: يا فلان أين تركت الوديعة التي عندك؟. . فأجابه: إنها في بيتي تحت رجل السرير فقال له القديس: نم أيضاً. فلما عاين الأخوة ذلك تعجبوا. فقال لهم القديس : "ليس من أجلي كان هذا الأمر لأني لست شيئاً. بل أنما صنع الله هذا من أجل الأرملة واليتامى".

ولما سمعت المرأة بموضع الوديعة انطلقت وأخذتها وأعطتها لصاحبها. وكل الذين سمعوا هذا سبحوا الله.

 

صلة القديس مقاريوس بالقديسين

أولاً – القديس أنطونيوس:

لما سمع القديس مقاريوس بسيرة الأنبا أنطونيوس، وبأعماله الفاضلة، مضي إليه. فقبله القديس أنطونيوس وعزاه وأرشده إلي طريق الرهبنة وألبسه الزي، ثم عاد إلي موضعه.

 

ثانياً – القديسان مكسيموس ودوماديوس:

قال الأب مقاريوس: حدث يوماً وأنا جالس بالاسقيط أن أتاني شابان غريبان أحدهما متكامل اللحية، والآخر قد بدأت لحيته، فقالا لي: أين قلاية مقاريوس؟ فقلت لهما: وماذا تريدان منه؟ أجاباني نريد مشاهدته. فقلت لهما: أنا هو. فصنعا مطانية وقالا: يا معلم نشاء أن نقيم عندك فلما وجدت أنهما في حالة ترف ومن أبناء نعمة وغني أجبتهما: لكنكما لا تحتملان السكني ها هنا. فأجابني الأكبر قائلاً: إن لم نحتمل السكني هاهنا فاننا نمضي إلي موضع آخر. فقلت في نفسي: لماذا أطردهما، وشيطان التعب يشككهما فيما عزما عليه؟ فقلت لهما: هلما فاصنعا لكما قلاية إن قدرتما. فقالا: أرنا موضعاً يصلح. فأعطيتهما فأساً وقفة وكذلك قليلاُ من الخبز والملح وأريتهما صخرة صلبة وقلت لهما: انحتا ههنا وأحضرا لكما خصاً من الغابة وسقفاً واجلسا. وتوهمت أنهما سوف ينصرفان من شدة التعب. فقالا لي: وماذا تصنعون هاهنا؟ فقلت لهما: إننا نشتغل بضفر الخوص. وأخذت سعفاً وأريتهما بدء الضفيرة وكيف تخاط وقلت لهما: أعملا زنابيل وادفعاها إلي الخفراء ليأتوكما بخبز، وعرفتهما ما يحتجان من معرفة ثم انصرفت عنهما.

أما هما فأقاما ثلاث سنوات ولم يأتياني. فبقيت مقاتلاً الأفكار من أجلهما إذ لم يأتيا إلي ولا سألاني في شيء. ولم يحاولا الكلام مع احد قط. ولم يبرحا مكانهما إلا كل يوم أحد فقط حيث كانا يمضيان إلي الكنيسة لتناول القربان وهما صامتان. فصليت صائماً أسبوعاً كاملاً إلي الله ليعلن لي أمرهما. وبعد الأسبوع مضيت اليهما لأفتقدهما وأعرف كيف حالهما. فلما قرعت الباب عرفاني وفتحا لي وقبلاني صامتين وجلست. وأومأ الأكبر إلي الأصغر بأن يخرج. أما الأكبر فجلس يضفر في الضفيرة ولم يتكلم قط. فلما حانت الساعة التاسعة أومأ إلي الشاب فأتاه وأصلحا مائدة وجعلا عليها ثلاث خبزات بقمساطات وداما صامتين.

فقلت لهما: هيا بنا نأكل. فنهضنا وأكلنا. وأحضرا كوز ماء فشربنا. ولما حان المساء قالا لي: أتنصرف؟ فقلت لهما، لن أنصرف، لكني سوف أبيت هاهنا الليلة. فبسطا حصيرة في ناحية وبسطا أخرى لهما في ناحية أخرى وحلا اسكيميهما ومنطقتيهما ورقدا قدامي علي الحصيرة. فصليت إلي الله أن يعلن لي ماذا يعملان. وإذ كنت راقداً ظهر فجأة في القلاية ضوء كضوء النهار قدامي وكانا يشاهدانه فلما ظنا أني نائم نخس الأكبر الأصغر وأقامه. وتمنطقا وبسطا أيديهما إلي السماء وكنت أراهما وهما لا يبصراني. واذا بي أري الشياطين مقبلين نحو الأصغر كالذباب، فمنهم من كان يريد الجلوس علي فمه، ومنهم من كان يريد أن يجلس علي عينيه. فرأيت ملاك الرب حاملاً سيفاً نارياً وهو يحيط بهما. ويطرد الشياطين عنهما. أما الاكبر فلم يقدروا علي الاقتراب منه.

فما حان الفجر حتي وجدتهما وقد طرحا نفسيهما علي الأرض وناما فتظاهرت كأني استيقظت وهما كذلك.

فقال لى الأكبر هذه الكلمة فقط: أتشاء أن نقول الاثني عشر مزموراً. فقلت نعم. فقرأ الصغير خمس مزامير وفي نهاية كل ست استيخونات الليلويا واحدة ومع كل كلمة كان يقولها، كان يبرز من فمه شهاب نار يصعد إلي السماء. كذلك الكبير، الذي إذ كان يفتح فمه ويقرأ كان كلامه مثل جبل نار خارجاً وصاعداً إلي السماء.

فلما انقضت الصلاة انصرف قائلاً: صليا من أجلي. فصنعا لي مطانية وهما صامتان. وبعد أيام قليلة تنيح الأكبر وفي ثالثه تنيح الصغير كذلك. ولما كان الآباء يجتمعون بالأب مقاريوس كان يأخذهم إلي قلايتهما ويقول: هلموا بنا نعاين شهادة الغرباء الصغار.

+ سأل إخوة شيخاً: لماذا حدث أن الأخوين الرومانيين اللذين أتيا إلي الأنبا مقاريوس لم يذهبا اليه طوال مدة الثلاث سنوات التي قضياها إلي جواره – ولا إلي أحد من الشيوخ – ليسألا أسئلة عن أفكاهما؟

فأجاب الشيخ: لأن الأخ الأكبر كان حكيماً إلي درجة كبيرة، وكان كاملاً ومتواضعاً. فان كان قد ذهب إلي الأنبا مقاريوس أو إلي واحد من الشيوخ الآخرين، فان كماله كان سينكشف. وكان سينال مديحاً في كل الأسقيط من الآباء الذين كانوا سيتعجبون قائلين: "كيف يحدث هذا: أن يصير شاب كاملاً في ثلاث سنوات؟" فلا يليق بنا – علي أية الحالات – أن نقلد هذين الأخوين ونهمل تعليم الشيوخ! فمن جهة الأخوين، كان الأكبر كاملاً، والأصغر كان متواضعاً وكان يتعلم منه .

 

عظة للقديس مقاريوس

حدث مرة أن أرسل شيوخ الجبل إلي أنبا مقاريوس يقولون له: سر إلينا لنشاهدك قبل أن تنصرف إلي الرب ولا تضطر الشعب كله إلي المجئ اليك. فلما سار إلي الجبل اجتمع اليه الشعب كله وطلب اليه الشيوخ قائلين: قل للشعب كلمة أيها الأب. فقال:

 

ترك الهوي:

يا أولادي الأحباء. عظيم هو مجد القديسين فينبغي أن نفحص عن تدبيرهم الذي نالوا بواسطته هذا المجد وبأي عمل وفي أي طريق وصلوا إليه. وقد علمنا أنهم لم يشتروه بغني هذا العالم ولا حصلوه بصناعة ما أو بتجارة ما. ولا أقتنوه بشيء مما يملكون. إذ أنهم تمسكنوا وتغربوا عن هذا العالم. وجالوا جياعاً فقراء. فعلي ما أراه أجد أنهم نالوا ذلك المجد العظيم بتسليمهم ذواتهم وتدبير أمورهم ونياتهم لله. تركوا أهويتهم كلها من أجل الرب وتبعوه حاملين الصليب، ولم يفصلهم حب شيء آخر عن محبته تعالي. لأنهم لم يحبوه أكثر من الأولاد فقط مثل ابراهيم، بل وأكثر من ذواتهم أيضاً كما يقول بولس الرسول لاشيء يستطيع أن يفصله عن حب الله. فالآن يا بني الأحباء جاهدوا وأصبروا إلي الموت كالقديسين لتصيروا مسكناً لله.

المحبة والسلام:

إن أحببتم بعضكم بعضاً فان الله يسكن فيكم. وإن كان في قلوبكم شر فلن يسكن الله فيكم. احذروا الوقيعة لئلا تصيروا كالحية أوان للشيطان. احفظوا أسماعكم من كلام النميمة لتكون قلوبكم نقية واهربوا من كل ما ينجس القلب. أكرموا بعضكم بعضا لتكون السلامة والمحبة بينكم. إن غضب أحد علي أخيه وإخوته فلا يسترح له بال قبل أن يصلحه بحلاوة المحبة. فقد كتب: لا تغرب الشمس علي غيظكم. قبلوا بعضكم بعضا بقبلة السلام. وذلك ليخزي عدو السلام ويفرح اله السلام وتكونوا له بنين لأنه قال: فاعلي السلام يدعون أبناء الله. صلوا بالروح دائماً كما أمر الرسول. اتضعوا لأخوتكم واخدموهم حسب قوتكم لأجل المسيح لتنالوا منه الجزاء. فقد قال له المجد: ما تصنعونه بهم فبي تصنعونه.

الجهاد:

إن كل أعمالنا نجدها ساعة مفارقة أنفسنا لأجسادنا فقد كتب: إن الله ليس بظالم حتي ينسي عملكم وودكم الذي أظهرتموه باسمه إذ خدمتم الأطهار وتخدمونهم أيضاً. ليكن تعب أجسادكم مشتهاكم ومحبوباً لديكم. ولا تستسلموا للانحلال والكسل فتندموا يوم القيامة، بينما يلبس أكاليل المجد أولئك الذين قد أتعبوا أجسادهم، وتوجدون أنتم عراة بخزي أمام منبر المسيح بمحضر الملائكة والناس جميعاً. لا تنعموا أجسادكم في هذا الزمان اليسير بالطعام والشراب والنوم لئلا تعدموا الخيرات الدائمة التي لا توصف فمن ذا الذي تكلل قط بدون جهاد؟ ومن استغني بدون عمل؟ ومن ربح ولم يتعب أولاً؟ أي بطال جمع مالاً؟ أو أي عاطل لا تنفذ ثروته؟ انه بأحزان كثيرة تدخل ملكوت السموات. فليحرص كل منكم علي قبول الأتعاب بفرح عالماً أن من ورائها كل غني وراحة. أما الذي لا يستطيع أن يحتمل الأتعاب لضعف أو أمراض، فليمجد أولئك الذين يتعبون ويغبطهم كما يفرح معهم في خيراتهم.

 

عدم الإدانة:

لا تقبلوا في فكركم ولا تصوروا في كلامكم أي إنسان بأنه شرير. لأن بطرس الرسول يقول: "إن الله أراني وأوصاني بأن لا أقول عن إنسان أنه نجس أو رجس". فالقلب النقي ينظر كل الناس أنقياء. فقد كتب أن كل شيء طاهر للأطهار والقلب النجس ينجس كل واحد لأن كل شيء للأعمى ظلام. هوذا الرب قد حلنا من عبودية الشيطان فلا نعد نربط أنفسنا أو نستعبدها بسوء رأينا.

التوبة:

احفظوا ما كلمتكم به ليكون لأنفسكم منه دواء وصحة ولا تجعلوه شاهداً عليكم لأنه سيأتي وقت فيه تطالبون بالجواب عن كلامي هذا. تمسكوا بالتوبة واحذروا لئلا تصطادوا بفخ الغفلة. لا تتهاونوا لئلا تكون الطلبة من أجلكم باطلة. داوموا علي التوبة ما دام يوجد وقت. فإنكم لا تعرفون وقت خروجكم من هذا العالم.

العمل وترك التهاون:

لنعمل ما دام لنا زمان. لنجد عزاء في وقت الشدة فمن لا يعمل ويتعب في حقله في أوان الشتاء لن يجد في الصيف غلة بها يملأ مخازنه ليقتات بها. فليحرص كل واحد علي قدر طاقته فان لم يمكنه أن يربح خمس وزنات، فليجاهد بكل قوته فان ساعة واحدة من نياحته تنسيه جميع أتعابه. فويل وويل لمن تغافل وكسل لأنه سيندم حيث لا ينفع الندم. لا تكملوا شهوة الجسد لئلا تحرموا من خيرات الروح فان الرسول قد كتب أن اهتمام الجسد هو موت واهتمام الروح هو حياة.

افرحوا بكمال أخوتكم وضعوا نفوسكم لهم وتشبهوا بهم واحزنوا علي بعضهم. اصبروا للتجارب التي تأتي عليكم من العدو واثبتوا في قتاله ومقاومته فان الله يعينكم ويهبكم أكاليل النصرة. فقد كتب طوبي للرجل الذي يصبر للبلايا ويصبح مجرباً فانه ينال إكليل الحياة. لا غلبة بدون قتال ولا إكليل بدون غلبة. اصبروا إذا فقد سمعنا قول الرب لأحبائه: أما أنتم الذين صبرتم معي في تجاربي، ها أنا أعد لكم الملكوت كما وعدني أبي. وقوله أيضاً: إن الذي يصبر إلي المنتهي فهذا يخلص. وقد قدم لنا نفسه مثالاً كيف نصبر إلي المنتهي. ففي الوقت الذي كان فيه يُسَب ويُعيَّر ويُهان من اليهود نراه يتراءف عليهم ويحسن إليهم، فكان يشفي أمراضهم ويعلمهم، وهكذا قبل الآلام بجسده وصبر حتى الصلب والموت. ثم قام بالمجد وصعد إلي السماء، وجلس عن يمين الله. اشكروا الرب في تعبكم من أجل الرجاء الموضوع أمامكم. اصبروا في البلايا لتنالوا أكاليل المجاهدين. اغفروا لبعضكم بعضاً لتنالوا الغفران. فقد قال الرب: اغفروا يغفر لكم.. داوموا علي حفظ هذه الوصية فان ربحها عظيم ولا تعب فيها. كونوا أبناء السلام ليحل سلام الرب عليكم. كونوا أبناء المحبة لترضوا محب البشر. كونوا بني الطاعة لتنجوا من المحتال. إن أول العصيان كان من آدم أبينا في الفردوس بسبب شهوة الطعام. وأول الجهاد من سيدنا المسيح كان في البرية في الصيام. وتعلمنا من التجربة أن الراحة والطعام هما أسباب الطغيان. والصوم هو سبب الغلبة والنصرة. فصوموا مع المخلص لتتمجدوا معه وتغلبوا الشيطان. والصيام بدون صلاة واتضاع يشبه نسراً مكسور الجناحين. احتفظوا بحرصكم ولا تهربوا من أتعابكم. فان الطوبي لم لازم التوبة حتي يمضي إلي الرب.

لازموا السهر وقراءة الكتب وثابروا علي الصلاة وأسرعوا إلي الكنيسة ونقوا قلوبكم من كل دنس لتستحقوا التناول من جسد السيد المسيح ودمه الأقدسين فيثبت الرب فيكم. فبهذا السر العظيم تحفظون من الأعداء. فمن يتهاون بهذا السر فان قوات الظلمة تقوي عليه فيبتعد عن الحياة بهواه. فلنتقدم إلي سر الأفخارستيا بخوف وشوق وإيمان تام، ليبعد عنا خوف الأعداء بقوة ربنا يسوع المسيح الذي له المجد إلي الأبد آمين.

- البهلس كلمة قبطية ومعناها الوادي

- جاء في رواية بلاديوس: "بينما كان الأنبا مقاريوس يصلي في قلايته في بعض الأوقات، سمع صوتاً يقول له: "يا مقاريوس أنك لم تصل بعد الي درجة امراتين في المدينة الفلانية".

- في رواية بلاديوس: "بالنسبة الي الاعتبارات العالمية نحن غريبتان الواحدة عن الآخري اذ ليست بيننا قرابة جسدية".

- يقول بلاديوس: أن القديس مقاريوس صرف المرأة الي منزلها ثم صلي وبعد انتهائه من صلاته نادي الميت.

- جاء في رواية بلاديوس: ارقد الآن الي يوم القيامة. فلما رأي الأخوة ما حدث وقعوا علي قدميه في خوف فقال لهم الشيخ: لم يحدث هذا من أجلي يا إخوتي، وليس الأمر شيئاً عظيماً بل من أجل الأرملة واليتامي صنع الله هذا الأمر. أما الشيء العظيم فهو ان الله يريد نفساً نقية وبلا خطية.

- في رواية بلاديوس : أن التعب ذاته سيجعلهما يهربان.

- الاسكيم يصنع من جلد عليه أشكال صلبان مضفورة يلبسه النساك من الرهبان الذين بلغوا مرتبة عالية في الزهد والتقشف.

- لا ننسي أن مكسيموس ودوماديوس كانا قبل مجيئهما الي الاسقيط قد ترهبا عند الشيخ المتوحد أغابيوس في سوريا وسكنا معه ستة أعوام ولما قرب زمان نياحة القديس أغابيوس أمرهما أن ينزلا الي مصر ويبقيا بقرب القديس مقاريوس .