من تأملات الآباء

بعد ذلك وجده يسوع في الهيكل وقال له ها أنت قد برئت فلا تخطئ أيضاً لئلا يكون لك أشر (يو5 :14 . )

 

هذه دعوة من ربنا يسوع المسيح لهذا الإنسان ولنا لكى نحيا فى حياة التوبة، وإليك بعض أقوال الآباء عن التوبة:

1-الشيخ الروحانى "القديس يوحنا سابا" قال:

+ التوبة هى أم الحياة وطوبى لمن يولد منها فإنه لا يموت.

+ هى تدخل مخادع الزانيات وتجتذب الزناة، وتلدهم من حضنها بتوليين للمسيح.. ترد الكافرين إلى الرسولية.

+ هى تجتذب من الطرقات إلى الملكوت، ومن بين السياجات تدخل إلى العرس.. هى تجعل العميان مبصرين.


+ هى تقلع الشجرة التى أثمارها سم الموت وتغرس شجرة الحيـاة بفردوسنا.

+ هى أم النور.. وكل من ولد منـها أنبتت له أجنحة من نار مع الروحانيين يطير بها إلى العلاء.. وكل من نتـف الصيـادون ريشه واستقر تحت أحضانها أياماً قلائل أخذ منها ريشاً طيـاراً نارياً أفضل من الأول.

+ هى خزانة لجميع الكنوز كل من قرع بابها يأخذ منها حاجة.

2- القديس يوحنا ذهبى الفم:

(التوبة هى الطريق الإنجيلى الذى تجتازه النفس عـابرة إلي الملكوت).

وفى رسالة له إلى تيودور الساقط يحثه فيـها على التوبة، قال له (أن تسقط، هذا أمر بشرى.. أما أن تصر على الخطية فـهذا عمل شيطانى. السقوط ليس محطم للنفس لكن البقاء فى السـقوط على الأرض هو المحطم لها).

3- القديس أشعياء الإسقيطي قال:

(إذا تقدمت لله لتتوب فلا تدع فكرك يزعجك من جهـة خطاياك القديمة كما لو كانت لم تغفر لك.. مادمت قد اعترفت بها).

+ وقال أيضاً: (كما أن الأرض لا تعطى ثماراً بغير بذار.. هكذا الإنسان لايستطيع أن يصنع توبة بغير الإتضاع وتعب الجسد).


•  القديس أغسطينوس يربط بين التوبة والصوم والصلاة.. ويقول فى صلاته:

(ربى ساعدنى أيـها الرحيـم.. إنـى أرجـو التغلـب بـالصوم والصلاة على العالم وتجاربه، والشيطان ومكايده، والبشر ونشاطهم، والجسد ومغرياته، والأزمنة وإضطراباتها، وعلى سـائر الضيقـات الجسدية والروحية).

•  القديس أنبا باخوميوس أب الشركة قال:

(اهربوا من شهوات الجسد لكى تحصدوا ثمار نقاوة القلب، ومديـح الكلام من الله. اهربوا من مصاحبة أولئك الذين يتبعـون شـهواتهم وإلا لن تجدوا من يساعدكم، لأنه لن ينفعكم أحد.. ولذلـك أسـرعوا لتنالوا الحزن على خطاياكم والهدوء الذى يقودكم إلـى خـوف الله. إغلقوا آذانكم نحو كل نجاسة.. وإحذروا الإفتراء على الآخرين).

•  من أقوال القديس أنبا أوزورسيوس لتلاميذ قبل إنتقاله:

والآن أيها الأخوة لأن الرب طويل الأناة معنا لذلـك يحثنـا علـى التوبة لكى نتمم قول الكتاب: "اصحوا واسهروا لأن إبليس خصمكم كأسد زائر يجول ملتمسا من يبتلعه. فقاوموه راسخين في الإيمان، عالمين أن نفس هذه الأمور تجرى على إخوتكم في العالم" (1بط 5: 8، 9).

+ دعنا نجاهد فى زرع بذار الفضيلة حتى نسـتطيع أن نحصـد الفرح مستقبلاً.


+ دعنا ننصت إلى تعليم بولس الرسـول: "وأما أنت فقد تبعت تعليمى وسـيرتى وقصدى وإيمانى وأناتى ومحبتـى وصـبري واضطهاداتى وآلامى" (2 تى 3: 10). وأن نتبع مثال القديسـين "ناظرين إلى رئيس الإيمان ومكمله يسوع" (عب 2:12).

وفى لقاء آخر مع تلاميذه، قال لـهم: إن الـرب يسـوع الشـديد الرحمة والكلى الصلاح يصرخ إلينا فى الإنجيـل قـائلاً: "تعالوا إلى ياجميع المتعبين والثقيلى الأحمال وأنا أريحكم. إحملوا نـيرى عليكم وتعلموا منى لأنى وديع ومتواضع القلب فتجدوا راحـة لنفوسـكم" (مت 11 :29،28).

لذلك دعنا ننتبه إلى صلاح الله الذى يدعونا للتوبة لأنه مكتـوب أن "لطف الله إنما يقتادك إلى التوبة" (رو 2: 4)، وأن رجـال الله القديسين يشجعوننا لننال الخلاص "ولكنك من أجل قساوتك وقلبك غير التائب تذخر لنفسك غضباً في يوم الغضب واستعلان دينونة الله العادلة الذى سيجازى كل واحد حسب أعماله" (رو 2: 5، 6).. ولذلك "ليتنا نرجع للرب بكل قلوبنا" (1صم 3:7)، ووفقا لكلمـات موسـى النبى الذى يذكرنا قـائلاً: "إذا رجعت إلى الرب إلهك وسمعت صوته يطهر الرب إلهك قلبك وقلب نسلك لكى تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك لتحيا" (تث 30: 2، 6).

•  وعن ثمار التوبة قال القديس بينوفيوس:

إن الخلاص الأبدى ليس موعوداً به بالتوبة فقط بل ينبغى أيضـاً


أن تكون التوبة مقرونة بأعمـال المحبـة "لأن المحبة تستر كثرة من الخطايا" (1بط 8:4).

هكـذا نجد الشفاء لكل جراحاتنا نتيجة لثمـار التوبـة كالصدقـات وأفعال الرحمة، لأنـه كمـا يقـول الكتـاب المقـدس: "الماء يطفئ النار الملتهبة والصدقة تكفر الخطايا" (يشـوع بـن سـيراخ 33:3)، وأيضاً قول داود النبى: "أعوم كل ليلة سريرى وبدموعى أبل فراشى" (مز 6:6).

و إليك بعض أقوال القديس بينوفيوس القصيرة عن التوبة:

+ الإنسان التائب لا يعود يذكر خطاياه التى تاب عنـها وخاصـة تفاصيلها حتى لا تدفعه للسقوط مرة أخرى.

+ لا تنس الجانب الإيجابى.. اذكر محبة الله وحنانه وفاعلية دمـه فى حياتك ولا تجعل كل فكرك فى الخطية التى إرتكبتها.

+ حياة الشكر هامة فى للتوبة.. نشكر الله من أجل رحمته كغـافر للخطية.

+ إن جـهادنا مهما بلـغ قـدره لا ينفـع شـيئاً بغـير نعمـة الله المترفقة بنا.

•  سأل القديس يوحنا كاسيان القديس بينوفيوس عن غايه التوبه وعلامات الصفح، فاجاب:

(إن الوصف الكامل التام للتوبة هى عدم الخضـوع مـرة ثانيـة للخطايا التى نقدم عنها ندامة أو التى قد تبكت ضميرنا من جهتها).


لكن دليل الرضى وصفح الرب عن ذنوبنـا هـو أن نكـون قـد وصلنا إلى مرحلة نلفظ فيها محبة الخطايا من قلوبنا، لأنـه يلـزم أن يتأكد كل إنسان أنه للآن لم يتحرر من خطاياه السابقـة طالمـا يمكـن لأية صورة من صور تلك الخطايا التى إرتكبها أو ما يشبهها أن تظـل تتراقص أمام عينيه، وإننى لا أقول التلذذ بالخطايا لكن حتـى مجـرد تذكرها يزعج أعماق النفس بينما ينبغى أن يكـرس نفسـه للدمـوع، وللتخلص منها.

من أجل هذا فإن الإنسان لا يشعر أنه قد أصبح حراً مـن خطايـاه وأنه قد نال الصفح عن خطاياه السابقـة عندما يحـس أن قلبـه يـهتز ويضطرب لإغراء هذه الخطايا وتصورها. لذلك فإن أصـح إختبـار لمعرفة ما إذا كنا تائبين ومعرفة شهادة العفو عنا نجده فى ضمائرنـا الآن قبل يوم الدينونة، ونحن فى هذا الجسد يظهر لنا تحررنـا مـن الخطايا وتتبين لنا نعمة الصفح. وإن ما قلنـاه يمكـن التعبـير عنـه بإختصار بأن ماضى خطايانا الملوث يكون قد ابيضت صفحـاتـه عندما تكون مسرات هذا الزمان وشهواته قد فارقت قلوبنا.

•  فى مقال للقديس كيرلس الأورشليمي عن التوبه وغفران الخطايا.. قال فيه:

+ الخطية مرعبة للغاية.. والعصيان مرض النفس الوبيـل الـذى يشل طاقاتها خفية ويجعلها مستحقة للنار الأبديـة.


+ الخالق صالح.. خلقنا لأعمال صالحة، أما الخليقة فإنحرفت إلـى الشر بإرادتها الحرة.

+ الخطية مرعبة للغاية كما قلنا ولكنها ليست بالمرض المستعصى شفاءه.. هى مرعبة لمن يلتصق بها لكن من يتركـها بالتوبـة يشفى منها بسهولة.

+ الله محب البشر يحبنا محبة كبيرة، لذلك لا تقل أننـى ارتكبـت الزنا والدعارة وفعلت خطايا فظيعة ليس مرة بل مرات.. فـهل يغفر لى؟ هل يهبنى عفواً؟.. إسمع ما يقوله المرتل: "ما أعظم جودك يارب الذى ذخرته لخائفيك" (مز 31 :19).

أن معاصيك المتراكمة لن تعلو مراحم الله الكـثيرة.. جراحاتك لـن تغلب مهارة الطبيب الفائقة.. سلم نفسك له بإيمان.. أخبر الطبيب عن مرضك المؤمن.. قل أيضاً مثل داود: "قلت اعزف للرب بذنبى" (مز 32: 5) فيحدث معك ما قد حدث معه، فتقـول للتو: "أنت رفعت أثام خطيتى" (مز 5:32).

ثم يكمل القديس كيرلس الأورشليمى ويعطى مثالاً لترفق الله بـداود الساقط الذى تاب وقبل توبته: "تعال إلى داود الطوباوى وإقبله مثالاً للتوبة.. فبقدر ما كان عظيماً سقط إذ قام من نومه وأخذ يتمشى على السطح فى المسـاء تاركاً لنفسه أن ينظر بغير حرص، فشعر بشهوة بشرية وأكمل خطيته لكنـه لم يمت بسببها وذلك من أجل صراحته فى الإعتراف بها عندما جـاءه ناثان النبى ليشفى جرحه.. وعندما اعترف داود وقـال: "أخطأت إلى


الرب" قال له ناثان: "والرب أيضا قد نقل عنك خطيتك فلا تموت بعد".. يا لعظمة غنى مراحم الله!

وهنا يكمل القديس كيرلس الأورشليمى قائلاً: (لقـد أدركـت نفـع الإعتراف ورأيت كيف يوجد خلاص للتائبين).

10-ونختم بالقديس أثناسيوس الرسولى:

الذى كتب عن سقوط الإنسان، والنعمة وتجديد الخليقة.

فى سقوط الإنسان قال؟ (إن نعمة الروح وعطاياه أعطيت للإنـسان الأول من خارجه، لكن الإنسان إنحرف عن التأمل فـى الله وإنغلـق على نفسه مفضلاً إياها على الله، فأشتعلت فى الناس محبة الـذات، وبالتالى إضطرمت الشهوات فيهم وانتقلت النفس من الروحى إلـى الجسدى ونسيت أنها خلقت على صورة الله).

وتراكم الشهوات أخفى المرأة التى كان الإنسان يرى مـن خلالـها صورة الآب فيه، أى كلمة الله.. وهذا أدى إلى خضوع العقل لما هـو محسوس، مما سمم العقل وأوقعه فى الحيرة.

وبكسر وصية الله تجرد الإنسان من نور العقل ورجـع إلى حالتـه الطبيعية، وصار عبداً للقانون الطبيعى للفساد، وضاعت البشرية فـى ظلام الوثنية.

وعن النعمة وتجديد الخليقة.. قال القديـس أثناسـيوس الرسـولى: وكان لابد من إعادة الإتحـاد والتجديد فى الخليقة التـى خلقـت علـى


صورة الله، وأخذ الكلمة على عاتقه تجديد الخليقة.. وهذا تم حينما "صار الكلمة جسدا"

لقد إتخذ الكلمة الطبيعة البشرية، ومع بقائـها مشـابهة لطبيعتنـا أستنيرت وتحررت من ضعفها الذى فى طبعها.. وبالرغم من أنه كان محكوماً عليها بالفساد إلا أنها دعيت للخلود.

والتوبة كان يمكن أن تكفى لـو أن المعصيـة لـم يتبعـها فسـاد الطبيعة.. لأن التوبة لا تخرج الإنسان من حـالته الطبيعية ولكنـها فقـط توقف الإنسان عن الخطية، بالإضافة إلى أن الموت دخل إلى الجسـد وأخذ سلطانا عليه. كذلك كان يمكن أن يلغى الله الموت بـأمر واحـد منه ولكن هذا لم يكن ليشفى الإنسان الذى تعود على العصيان.. بـل كان سيظل كل الناس مثل آدم يخطئون ولظلت النعمـة تأتيـه مـن الخارج، ولما أمكن تفادى سقوط أى واحد.

وهكذا لبس الكلمة الجسد ليجدد الجسد بالحياة وليصونه من الفساد.. ليس من خارج بل بإتحاده بالحياة.

+ الكلمة صار جسداً وشابهنا من كل الأوجـه.. وبسـبب إتحـاد هذا الجسد بالكلمة تحرر الجسد من كـل ضعفـه وخضوعـه للفساد.

+ الكلمة لم يكن منحصراً بالجسد، لكنه حرر الجسد من محدوديتـه وميله للخطية.